قراءة فرانتز فانون أنطونيو توماس

امير درويشي

قراءة فرانتز فانون

أنطونيو توماس(*)
ترجمة: امير دوشي

فرانز فانون، القومي الأفريقي والمقاتل في تحرير الجزائر و المولود في مارتينيك، توفى في 6 كانون الاول 1961 في مستشفى بيثيسدا، ماريلاند بالولايات المتحدة الأميركية. حظيت أعمال فانون في الحقبة الأخيرة ببعض الاهتمام من العالم الأكاديمي. بعد السير الذاتية المبكرة، مثل « فرانتز فانون لديفيد ماسي» والمجلدات المحررة لأعماله مثل تلك التي جمعها نايجل جيبسون تحت عنوان (لإعادة التفكير في فانون: الإرث المستمر). قد يعتقد المرء أن كل شيء عن هذا الموضوع قد قيل. ولكن الحال ليس كذلك كما تظهره الكتابات الأخيرة بشأن هذا الموضوع، وهي كما في كتاب (الفيلسوف المقاتل لثورة العالم الثالث) ليو زيليغ، وكريستوفر لي(فرانتز فانون نحو إنسانية ثورية).
والمجموعة الضخمة لكتابات فانون التي اعدها جان خلفا وروبرت يونغ تحت عنوان (كتابات عن الاغتراب والحرية).
بطرق مختلفة، وبعيدًا عن الصورة التي رسمتها الادبيات السابقة عن فانون ، تقدم هذه الكتب مفاهيم جديدة عنه. إنها تحقق ذلك إما من خلال تفسير رؤى فانون تحت عدسات نظرية جديدة، ومن خلال التوسيع في متابعة التطور الفكري لنضج فانون، أو ببساطة عن طريق اقتراح قراءات جديدة لفانون تأخذ في الإعتبار الكتابات التي عثر عليها مؤخرًا.
نقطة انطلاق زيليغ هي نقد النهج الاكاديمي عن فانون وهو يؤكد أنه في الأوساط الأكاديمية، فإن تبني «المفكرين الراديكاليين هو دائمًا عملية تطهير عبر بتر البعد الثوري لفكره، بتحويل الفعل الثوري إلى انعكاس سلبي، والتحليل إلى تبنٍ مدرسي قار».
بعد مناقشة تلك الاتجاهات الرئيسة في دراسة فانون، يوضح زيليغ أن كتابه «لا يندرج بدقة في أي من هذه الفئات؛ فهو يسعى إلى تقديم سيرة ذاتية تهدف الى تقديم صورة كاملة عن حياة وعمل فانون، مع عدم التظاهر بأنها محددة أو نهائية». وبعمله هذا، فإنه لا يهتم إلا قليلاً بالسياق التاريخي، انشغاله الرئيسي هو تقديم وصف عادل للبيئة السياسية الفلسفية التي كان فانون جزءًا منها.
جزء من جهوده إذن هو إخراج فانون من التقليد الماركسي الأوروبي، حتى لو أدرك أن مقاربة فانون للماركسية قد تقبل في مثل هذه البيئة. بعبارة أخرى، زيليغ مهتم بمعالجة ماركسية فانون غير الأوروبية. في النهاية، على الرغم من ذلك ، يبقى المرء يتساءل ما هي مشكلة الدراسة عن فانون. أو إذا كانت مشكلة تطهير فانون التي يلمح إليها تكمن بالتحديد في تنقية كتاباته من الماركسية . أخيرا ، يقول زيليغ أيضًا أن كتابه ليس سيرة مقدسة لفانون. لكن نادرًا ما تتم مناقشة جانبه السلبي. على الرغم من أن هذا الكتاب يستحق القراءة تمامًا، إلا أن المؤلف يكرس قدرًا كبيرا من اهتمامه إما للدفاع عن فانون أو لانتقاد أولئك الذين انتقدوه.
كتاب كريستوفر لي، نحو إنسانية ثورية، هو محاولة لإضفاء الطابع الإنساني على فانون، من خلال الانخراط في تكوين تاريخي وضرورة معرفية، وهي «صعود العالم الثالث» والحاجة إلى «تفكيك الموروثات الإستعمارية التي لا تزال تؤثر على الحاضر»(نوقشت الأفكار أيضًا في مشروع كتابين آخرين للمؤلف). لا يهتم لي بكتابة السيرة الذاتية، بل على العكس من ذلك، فهو يوضح أن السير الذاتية تميل إلى البدء بالموضوع مدار البحث ثم المضي قدمًا في تقديم الخلفية اللازمة لوضع الموضوع في السياق. لذا فهو يأخذ الاتجاه الآخر، مقدمًا السياق ثم يضع الموضوع، هنا.
كمؤرخ ثقافي، تمكن كريستوفر لي من الكشف عن الحقائق الحاسمة لتشكل فهم من كان فانون وكيف توصل إلى تبني طرق معينة في التفكير. الأول هو أن فانون عاصر الكثير من الاحداث التاريخية المهمة. وثانيًا، هناك إشارة بأن هذه الأحداث التاريخية كانت مفيدة لمسار فانون.
في القسم الأخير، يناقش المؤلف الحاجة إلى التعامل مع فانون اليوم، بما يصفه بـ «التعاطف الراديكالي». أو، «سياسات الاعتراف والتضامن مع المجتمعات بما يتجاوز تجربة الفرد المباشرة.» ما يلوح في الأفق في مثل هذا النقاش هو مسألة العنف. يبدو أن كريستوفر لي يلمح أن فهم مسار فانون قد يساعد في إضعاف جاذبيته للعنف. أتساءل ما إذا كان قلقنا من دعوة فانون للعنف ليس مؤشرًا على الصدع الزمني الذي يفصله عنا.. كتب ديفيد سكوت (في مجلة الحداثة) عن هذه المشكلة المعرفية ، من خلال القول بأن جزءًا من هذه الصعوبة يكمن في الاضطرار إلى الكتابة عن أسئلة خارج فضاء المشكلة لدينا. إن تبرير دعوة فانون للعنف لا يساعد في فهم التحديات التي واجهها في تنظيره لعصره.(1)
يعد كتاب (كتابات عن الاغتراب والحرية) الذي اعده جان خلفا وروبرت يونغ باكورة لمشروع أكبر هدفه نشر أعمال فانون الكاملة. لا تهتم الكتب السابقة بما كتب عن فانون بالفرنسية إلا قليلاً. هذه المشكلة هي في صميم دراسات ما بعد الكولونيالية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالجانب الفرنكوفوني من هذا النقاش. كتب فانون باللغة الفرنسية، لكنه في الغالب مهمش في دراسات ما بعد الكولونيالية الفرنسية. مع إنه شخصية رئيسة في العالم الأكاديمي الناطق بالإنجليزية، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث تمكن نقاد ما بعد الكولونيالية من قراءة أعماله ومناقشتها من دون إيلاء الكثير من الاهتمام للسياق الذي كان يكتب منه.
يوفر كتاب خلفا ويونغ إمكانية قراءة فانون خارج التفسيرات الأكاديمية التي تم تقديم عمله عبرها. القسم الأول عن المسرح، لمسرحيتين كتبها فانون في سن مبكرة. ويرى الكاتبان ان التعامل مع هذه الكتابات المبكرة أمرًا مهمًا ليس فقط لتوعية المرء بمسار فانون الفكري، ولكن أيضًا لأنها مليئة بالمواضيع الفانونية الرئيسة، مثل الاغتراب والحرية، والتي سيتناولها لاحقًا في حياته بأنواع وأشكال مختلفة . وثانياً، سيرى المرء أيضا أن تأثير سارتر على فانون يتجاوز صداقتهم الحميمة التي أدت بالأول إلى وضع مقدمة كتاب (معذبو الأرض). فمسرحيات فانون متأثرة بعمق بوجودية سارتر. وبهذا المنطق، كذلك عمله اللاحق أيضًا..
في القسم الثاني، يقدم الكتاب عمل فانون النفسي. الجانب الأهم هنا ليس فقط كيف يفهم المرء الطرق التي تعامل بها فانون مع ممارسته الخاصة. إنه يتجاوز التركيز الأكاديمي على ربط فانون بالاغتراب العقلي والقمع الاستعماري كان فانون يخطط ويعمل على مناطق معرفية جديدة. كانت نقطة انطلاقه أن الأمراض العقلية لا يمكن فصلها عن البيئة الاجتماعية، لدرجة أن الأبحاث التي أجريت على الأمراض العقلية في المجتمعات الغربية لم تكن مفيدة في تفسير العقلية العربية أو الأفريقية. إن العمل النفسي لفانون هو عمل معرفي في الأساس، لأنه أجبره على التعامل مع صياغة الأسئلة في سياق لم يكن فيه أي أدبيات أو بحث مسبق.
ومع ذلك، يتطرق هذا القسم أيضا إلى مسائل التأليف. في الغالب، يشارك فانون في التوقيع على هذه المقالات، مما يدل على الطبيعة التعاونية لعمله الفكري. والأكثر إثارة للإهتمام، أن منهجية كتاباته الثورية، خاصة مقالات مجلة المجاهد، اتبعت الاسلوب ذاته. فمعظم مقالات هذه المجلة الجزائرية لم تنشر باسمه، لأن فكره الثوري كان جزءًا من مشروع أكبر، وهو حركة التحرر الوطني.
تشكل هذه الكتابات معًا مساهمات رئيسة لفهم فانون، خاصة لقراءة فانون من خلال تحديات حاضرنا. لكنها تكشف أيضًا إلى أي مدى لا تعد قراءة فانون اليوم عملية مباشرة ويسيرة.
ملاحظات المترجم
[1] يبدأ فانون كتابه بالتأكيد على أن «محو الاستعمار حدث عنيف دائمًا «. أي أن محو الاستعمار، باعتباره نزالاً بين قوتين متعارضتين أساسًا (المستعمِر والمستعمَر) ، لا يمكن أن يتحقق على نحو سلمي .وكما هي فلسفة الصراع في الحياة والموت عند هيغل، حيث لا بد من خوض معركة قبل أن يوجد حيز لتحقيق الاعتراف المتبادل، وكذا الاستقلال الحقيقي لا يتم إلا إن ينتزع انتزاعًا من المستعمِر. يقول فانون:
« إن المستوطن يصنع التاريخ ويعرف انه يصنع التاريخ. وهو يستشهد بتاريخ وطنه الأم فيشير إشارة واضحة إلى انه هناك امتداد لذلك الوطن الأم. ومعنى هذا ان التاريخ الذي يكتبه ليس تاريخ البلد الذي ينهب خيراته بل تاريخ أمته فيما تقوم به من طغيان واغتصاب وتجويع. ولا يمكن أن يبدل المستعمر هذا الجمود الذي حكم عليه به إلّا إذا قرر ان ينهي تاريخ الاستعمار تاريخ النهب والسلب وأن يوجد تاريخ الأمة تاريخ تصفية الاستعمار.»
(فرانتز فانون- معذبو الأرض- ترجمة سامي الدروبي دار الطليعة 1981 ص23)

*كاتب المقال أنطونيو توماس أستاذ مشارك في كلية الدراسات العليا للهندسة المعمارية بجامعة جوهانسبرغ- جنوب افريقا

  • المعرض الدائم في بابل / كلية الفنون الجميلة في بابل
  • المعرض الدائم في واسط / جامعة واسط
  • المعرض الدائم في كربلاء / البيت الثقافي في كربلاء
  • المعرض الدائم في البصرة / البيت الثقافي في البصرة
  • المعرض الدائم في تكريت / جامعة تكريت
  • المعرض الدائم في الفلوجة / البيت الثقافي في الفلوجة
  • المعرض الدار الدائم في الديوانية
  • المعرض الدار الدائم في ذي قار